الأخبارتقارير

سياسة الصد[i] التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي، تؤدي إلى تنامي القرصنة في البحر الأبيض المتوسط


في السنوات الأخيرة، ركزت سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي على ضوابط صارمة على الحدود ونقل إدارة الهجرة من خلال التعاون مع بلدان ثالثة، منها ليبيا. هذا “التعاون”، بين دول الإتحاد الأوروبي والسلطات الليبية، المعترف بها دوليا والموازية لها، تنامى بشكل مضطرد منذ عام 2015 في عمليات الاعتراض في عرض البحر وإرجاع قوارب الهجرة غير النظامية إلى ليبيا. هذه العمليات تنفذها قطع بحرية ليبية، أغلبها تابعة بالاسم لخفر السواحل الليبي، وفي الواقع هي تتبع مليشيات مختلفة متورطة في تهريب البشر. في المقابل قدمت وتقدم دول الإتحاد الأوروبي الدعم المادي والفني لهذه المجموعات، زوارق بحرية وسفن خفر سواحل وسيارات دفع رباعي وتدريب وغيره من الدعم.

منذ زيارة رئيسة وزراء إيطاليا لطرابلس[i] شهر يناير الماضي، ولقاءها بحفتر في شهر مايو[ii]، تنامت عمليات اعتراض قوارب المهاجرين في عرض البحر. يوم 24 مايو 2023 انقطع الاتصال بسفينة صيد كان على متنها حوالي 500 شخص عندما كانت في منطقة البحث والإنقاذ المالطية، لتظهر في ميناء بنغازي البحري بعد يومين[iii]. تبين أن قارب يتبع “كتيبة طارق بن زياد”، التي يقودها صدام خليفة حفتر، قام بقطر السفينة من منطقة الإنقاذ والبحث المالطية إلى ميناء بنغازي، في عملية وصفتها[iv] منظمات غير حكومية، معنية بإنقاذ المهاجرين في عرض البحر، بأنها عملية “اختطاف 500 شخص في البحر! مالطا تنسق عمليات إعادة جماعية إجرامية بالوكالة إلى سجن ليبي!”.

السفينة رغم أنها انطلقت من ميناء طبرق الليبي، إلا أنه تم اعتراضها في مياه دولية بعيدا عن المياه الإقليمية الليبية، ولذا فإن ما قامت به هذه المجموعة المسلحة التابعة لحفتر هو عملية خطف، وهي عملية إجرامية نفذتها مليشيا صدام حفتر بالوكالة عن السلطات المالطية كما وصفها بيان المنظمات غير الحكومية[v].

وفي تصعيد خطير لعمليات الاعتراض في عرض البحر، أعلنت منظمة “هاتف الإنذار” بأنها “يوم 18 أغسطس كانت على اتصال بقارب يحمل على متنه حوالي 110 أشخاص، من بينهم 40 طفلاً. وكانوا قد فروا من لبنان وكانوا يحاولون الهروب إلى إيطاليا. وعندما وصلوا إلى منطقة البحث والإنقاذ المالطية أبلغوا المنظمة أن سفينة ترفع العلم الليبي كانت تطاردهم وأن رجالًا مسلحين أطلقوا النار عليهم، مما أدى إلى إصابة شخص واحد على متنها … يوم 20 أغسطس تلقت المنظمة اتصال من أقارب الأشخاص الذين كانوا على متن السفينة وأبلغوها أنهم يخشون أن يكون الأشخاص البالغ عددهم 110 قد اختطفوا إلى ليبيا واحتجزوا في سجن عسكري في بنغازي[vi]. منظمة التضامن من خلال التواصل مع أقارب بعض المهاجرين تأكد لديها أنهم في بنغازي، وتحصلت التضامن على قائمة بأسماء أكثر من 20 ممن كانوا على متن المركب، بينهم نساء وأطفال.

منظمة التضامن لحقوق الإنسان تدين هذه الجريمة، وتعتبرها جريمة خطف ارتكبتها مجموعة لا يمكن وصفها إلا بأنها قراصنة. وتستنكر عدم قيام السلطات اليونانية والمالطية بواجبهما، وفقا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، في انقاذ السفينة من قراصنة البحر رغم كل النداءات[vii]، التي وجهها ركاب السفينة المخطوفة ووجهتها المنظمات المعنية بإنقاذ المهاجرين في عرض البحر، إلى هذه السلطات للتدخل لحمايتهم من القراصنة. كما تندد منظمة التضامن استغلال بعض دول الاتحاد الأوروبي للانقسام السياسي في ليبيا لعقد صفقات مع المجموعات المختلفة لتقوم بالوكالة عنها بأعمال مخالفة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، نتيجتها ليس فقط إعادة مهاجرين وطالبي لجوء إلى بلد غير آمن، ومن ثم تعرضهم لانتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية وسلامتهم وأمنهم، بل إنها تؤدي إلى تقوية وتمدد هذه المجموعات المسلحة وتضاءل فرص إنهاء حالة الفوضى والصراع في ليبيا.

رغم أن دول الإتحاد، وكل الدول، لها الحق في أن تقرر ما إذا كانت ستمنح مواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي حق الوصول إلى أراضيها، إلا أنها يجب أن تفعل ذلك وفقاً للقانون وأن تدعم الحقوق الأساسية للأفراد. ونذكر دول الاتحاد الأوروبي بتقرير البرلمان الأوروبي[viii] والذي جاء فيه “لا تؤدي ممارسات وسياسات إيقاف طالبي اللجوء والمهاجرين المحتاجين إلى الحماية عند أو قبل وصولهم إلى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي (“عمليات الإعادة”) إلى تآكل قيم الاتحاد الأوروبي على النحو المنصوص عليه في معاهدات الاتحاد الأوروبي فحسب، بل إنها قد تنتهك أيضًا القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي والأوروبي“.

منظمة التضامن لحقوق الإنسان

طرابلس – ليبيا

24 أغسطس 2023

[i] وكالة الأنباء الليبية: “وسائل الاعلام الإيطالية: (ميلوني) تزور ليبيا السبت على رأس وفد يضم وزيري الخارجية والداخلية “، 26 يناير 2023.

[ii] وكالة الأناضول: “روما.. حفتر يبحث مع رئيسة وزراء إيطاليا الهجرة غير النظامية“، 5 مايو 2023.

[iii] مهاجر نيوز: “منظمة “هاتف الإنذار”: اعتراض وإعادة 500 مهاجر إلى ليبيا في “أكبر عملية صد نشهدها حتى الآن”“، 29 مايو 2023. اقتباس: “المنظمة شرحت أحداث عملية الصد هذه في بيان نشرته صباح اليوم الإثنين، قالت فيه “بعد ظهر يوم 23 أيار/مايو 2023، تم الاتصال بنا من قبل مجموعة كبيرة من المهاجرين الذين يعانون من محنة (في البحر) والذين فروا من سواحل طبرق في ليبيا. وكانوا حوالي 500 شخص من سوريا ومصر وبنغلادش وباكستان، من بينهم 55 طفلاً و45 امرأة. كان المهاجرون على متن سفينة صيد معدنية مكونة من طابقين، توقف محركها عن العمل، لذا كانوا يبحرون على غير هدى. أظهر موقع (GPS) الذي شاركوه أنهم تواجدوا داخل منطقة البحث والإنقاذ المالطية بـ30 ميلا بحريا، حيث يفترض أن تتحمل السلطات المالطية مسؤولية تنسيق عملية الإنقاذ”“.

[iv] ALARMPHONE: “500 people abducted at sea! Malta coordinates criminal mass pushback by proxy to a Libyan prison!“, Joint Statement by Alarm Phone, Sea-Watch, Mediterranean Saving Humans and EMERGENCY”, May 29, 2023.

[v] المرجع نفسه.

[vi]  ALARMPHONE: “110 people escaping Lebanon abducted to Libya!”, August 20, 2023.

[vii] Times Malta: “Relatives fear 110 people on boat in Malta’s SAR shot at, chased to Libya”, August 20, 2023.

[viii] European Parliament: “Pushbacks at the EU’s external borders”, 2021.

[i]  سياسة الصد هي ترجمة لمصطلح “Pushback Policy”. إن مصطلح “الصد”، على الرغم من استخدامه على نطاق واسع من قبل منظمات حقوق الإنسان والمسؤولين الحكوميين على حد سواء، ليس له في الواقع تعريف قانوني محدد. أقرب تعريف، هو التعريف الذي استخدمه مقرر الأمم المتحدة، السيد فيليبي غونزاليس موراليس، المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين في تقريره إلى مجلس حقوق الإنسان “تقرير عن سبل التصدي لتأثير عمليات صدّ المهاجرين براً وبحراً على حقوق الإنسان“، 21 يونيو 2021. وصف عمليات الصد “بأنها تدابير مختلفة تتخذها الدول، وتشارك فيها أحيانا بلدان ثالثة أو جهات فاعلة من غير الدول، مما يؤدي إلى إجبار المهاجرين، بمن فيهم طالبوا اللجوء، على العودة القسرية بإجراءات موجزة، دون إجراء تقييم فردي لاحتياجاتهم المتعلقة بحماية حقوق الإنسان، إلى البلد أو الإقليم، أو إلى البحر، سواء أكانت مياهاً إقليمية أم مياهاً دولية، الذي عبروا منه أو حاولوا منه عبور الحدود الدولية“.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى